عبد القاهر الجرجاني

48

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

إذا ما تَقاضي المرءَ يومٌ ولَيلةٌ . . . تَقاضاهُ شيءٌ لا يَملُّ التَّقَاضِيا 1 فإِنك تَعرف حُسْنَها ومكانها من القبول ، ثم انظر إليها فيبيت المتبني : لَو الفَلَكُ الدوَّارُ أبغضْتَ سَعْيَهُ . . . لعوَّقَهُ شيءٌ من الدوران 2 فإنك تراها تقل وتضول ، بحَسب نُبْلها وحُسْنها فيما تقَدَّم . 39 - وهذا بابٌ واسعٌ ، فإِنك تَجدُ متى شئْتَ الرجلَيْن قد استعملا كَلِماً بأَعيانها ، ثم تَرى هذا قد فَرعَ السِّماكَ 3 ، وتَرى ذاكَ قد لَصِقَ بالحَضيض ، فلو كانتِ الكلمةُ إِذا حَسُنتْ حَسُنتْ من حيث هي لفظٌ ، وإذا اسْتَحقَّت المزيةَ والشرفَ استحقَّتْ ذلك في ذاتِها وعلى انفرادِها ، دونَ أن يكونَ السببَ في ذلك حالٌ لها مع أَخَواتها المجاورةِ لها في النَّظْم ، لما اختلفَ بها الحال ، ولكانت غما أن تحسن أبدًا ، ولا تحسن أبدًا . ولا ترى قولاً يضطربُ عَلَى قائلهِ حتى لا يَدْري كيف يُعبِّر ، وكيف يُورد ويُصْدر ، كهَذا القول . بل إنْ أردتَ الحقَّ ، فإنَّه من جِنسِ الشَّيءِ يُجْري به الرجلُ لسانَه ويُطْلِقُه ، فإِذا فتَّش نفْسَه ، وجدَها تَعْلَم بُطْلانَه ، وتنطوي عَلَى خلافه ، ذلك لأَنَهُ مِمَا لا يقومُ بالحقيقةِ في اعتقادٍ ، ولا يكون له صورة في فؤاد .

--> 1 في ديوانه المجموع . 2 في ديوانه ، فراجعه . والضمير في " أبغضت " لكافور ، وهو من القصيدة التي قالها في سنة 348 ، والتي قال فيها أيضًا قصيدته الميمية حين ركبته الحمى ، والتي عرض فيها بالرحيل عن كافور ، وهي قصيدة مدح ، ولكني أرى أنه كان ينفث في بعضها عما في صدره من الغيظ على كافور واستهانته به ، ولذلك فأنا أعد لفظ " شيء " هنا مما يكشف عن هذه الاستهانة بكافور ، ولو لحظ الشيخ عبد القاهر هذا الملحظ ، لما عدها قليلة ضئيلة ، بل كبيرة موجبة بما في نفسه . 3 " السماك " نجم ، وهما " سماكان " والرامح والأعزل . و " فرغ السماك " غلاه وجاوزه في الارتفاع .